أمورٌ فاجأتني بكمُ أيها الألمان

على مدار ثلاث سنوات عاشتها مؤلفتنا السورية في ألمانيا، لا زالت تجد بعض الأشياء الغريبة في هذا البلد.
بقلم: سيران اسماعيل

Im Februar 2019 veröffentlichte unsere syrische Autorin Seran Ismail auf jetzt einen Text darüber, was sie drei Jahre nach ihrer Flucht aus Aleppo an Deutschland immer noch irritiert. Der Text wurde in den sozialen Netzwerken stark diskutiert - auch von anderen Geflüchteten. Um auch Menschen an dieser Diskussion teilhaben zu lassen, die noch nicht so gut Deutsch sprechen, haben wir den Text von Tarek Al Homsi auf Arabisch übersetzen lassen. Auf Facebook beantwortet Seran heute ab 14 Uhr in den Kommentaren eure Fragen dazu. 

Illustration: Julia Schubert

لا زلتُ أتذكر جيداً اللحظات الأولى من يومي الأول لديكم في ألمانيا. عندما وصلت قُرابة الساعة العاشرة صباحاً بالقطار، الذي كان قادماً من مدنية سالزبورغ النمساوية إلى مدنية ميونخ، لم يكن لدي أي خطة للبدء بها، ولم أكُن أعلم ما الذي عليّ فعله أولاً. كانت المحطة مزدحمة ومكتظة بالناس والجميع يجري مسرعاً، وكان لديّ خوفاً من الشرطة، لأنني سمعت الكثير من القصص السيئة عنها، مثلاً: بأنه يمكن لهم أن يقتادوا أي شخص يريدونه. وفي ذات الوقت كان لدي فضول كبير حول هذه المدنية، في سوريا نحن نؤمن بالحب من النظرة الأولى، وهذه المدنية سوف تصبح بمثابة مدينتي الثانية، فكان عليّ المخاطرة وأخذ انطباع أول عنها. و لكن كان يتوجّب عليّ أولاً ايجاد مخرج من محطّة القطار؟ أردتُ ان أسأل شخصاً ما، لكن بدت على الجميع ملامح الجدّية وعدم ردّ الابتسامة، كانت أصواتهم مرتفعة جداً، كما بدت لي لغتهم غريبة أيضاً. فقلت في نفسي علّي أن أتبع أحداً ما لعلني أجد مخرجاً من هنا، لكن ذلك لم ينجح كما كان متوقعاً، فكل شخص يجري بإتجاه مختلف عن الآخر تماماً. هذا ما لاحظته منذُ البداية وأيقنتُ حينها أن الحياة هنا مختلفة كثيراً عم كانت عليه في سوريا.

الانطباع الأول

استطعت لاحقاً أن أجد مخرجاً. مضى على إقامتي في مدينة ميونخ مايقارب الثلاث سنوات، وأنا الآن مغرمة بهذه المدينة. لقد فهمت من خلال هذه السنوات الكثيرَ عنكم، فمن المهم جداً بالنسبة لكم، ركوب الدراجة في الجانب المخصص لها، كي لا يتم إزعاج الناس. كذلك مهمٌ بالنسبة لكم، وصول القطارات بالتوقيت المحدد لها وإلا سوف تغضبون كثيراً. أنتم تفصلون النفايات بطريقة معقّدة، ففكرة الالتزام بفصل النفايات عن بعضها، بقايا القمامة عن البلاستيك عن الورق، يجعلني أثور أكثر. لقد أصبح واضحاً بالنسبة لي، لماذا يبدو عليكم التركيز بشكل دائم، فأنتم دائماً تحت الضغط! تفكرون في عملكم، تخططون لمواعيدكم، لديكم روتين حتى في حياتكم الخاصة. هذا مختلف بشكل كلّي عما كان عليه في بلدي. يعتقد الألمان بأنه „كلما عملت أكثر، فسوف تكافئ نفسك برحلة أجمل!”، أمّا في سوريا فقد تعلّمتُ: ‚’ أنك ستعيش لمرة واحدة، فإستمتع بكل يوم من حياتك.” من خلال الحرب أيقنّا أيضاً، بأنّه لا يُمكن لأحدهم أن يعدك بأنك ستعيش غداً..

„استكمل أوراقك” هي واحدة من الجمل المفضلة لديكم

عندما وصلت إلى ألمانيا تحقق الحلم: حلم العيش في بلد ديمقراطي، إلى أن تعرّفتُ على البيروقراطية لديكم. هنا عليك تقديم الطلبات بشكل مستمر للحصول على شيء ما، كما عليك بعدها انتظار الحصول على تأكيد خطي. مازلتم تعملون بالرسائل البريدية، منذ وجودي هنا وأنا أتلقّى رسالة بريديّة بشكل شبه يومي، يبدو لي هذا نوعاً من الطراز القديم. في سوريا لا نستخدم الرسائل البريدية، لذلك لن تجد أمام كل منزل صندوق بريدي، بل يتم الاعتماد على استخدم الطُرق الشفهيّة والذهاب شخصياً الى الدوائر الرسميّة. على الأقل عرفتُ الآن سبب التوجّه الكبير في دروس اللغة الألمانية في التركيز على قسم كتابة الرسائل البريدية . هنا عندما تُقدّم طلباً سواء كان لدى مكتب دائرة الأجانب، أو مكتب العمل، أو لدى الطبيب، فعليك الانتظار طويلاً وإذا كنتَ قد نسيت توقيعاً أو أيُّ شيء في الملف فسوف يستغرق الأمر وقتاً أطول. وعندما تسأل عن سبب التأخير، ستحصل دوماً على نفس الإجابة: جيدٌ أنّك قد سألت، بعدها ينظر الموظفون إلى ملفك ويقولون: هناك نقصٌ آخر في إضبارتك، حبذا لو أكملتها! „استكمل أوراقك” هي عبارة مفضّلة لديكم. في البداية كنتُ دوماً أقوم بإستكمال الأوراق الناقصة، على سبيل المثال: عندما تقدمت لأحد الوظائف، طُلب منّي أن أقدّم سيرة ذاتية عنّي، فقط دون أي طلب آخر.. لكن بعد مرور يومين، قيلَ لي: أنهم بحاجة إلى بيانٍ من التأمين الصحي وتأميني التقاعدي، كان علي إلحاقها فيما بعد.. وبالتأكيد قمتُ بذلك.. بعد مرور يومين- قالوا: أنهم بحاجة إلى أوراق أخرى و تواقيع أخرى، بعدها جائني ردّ من صاحب الوظيفة بأنه لم يتبقَّ لدي وقتٌ كافٍ وأنّ عليّ الإسراع بتقديم باقي الأوراق. وكأنهم لا يعلمون أنّ كل هذا يتطلّب الكثير من الوقت وأن أغلب الدوائر هنا بطيئة جداً. لا أفهم لماذا لم يعطوني منذ البداية قائمة بجميع الأوراق المطلوبة والواجب عليَّ تقديمها، عوضاً عن الطلبات الجديدة كل يوم! كان من الأسهل بالنسبة لي ولهم، من باب ضرورة الحرص على الوقت ومنع التوتر. منذ وصولي إلى هُنا حتّى الآن، وأنتم تعقّدون كل شيء، كل شيء هنا مُعقّد، لاشيء سهل وإذا صادف وكان سهلاً، فسرعان ما يتبادر لذهني مباشرة أنّ هناك شي ما نسيته أو أخطأت به!

"عذراً، فهذا ليس من ضمن اختصاصي”

أشياء أخرى غريبة تعرّفت عليها في ألمانيا. في سوريا مثلاً: كنتُ أعتقد دوماً أنه لا توجد دولة أخرى تضاهي ألمانيا في مستوى التقدم. فعبارة "صنع في ألمانيا" كانت مهمّة للغاية بالنسبة لنا، وقراءتها على أي آلة أو جهاز كهربائي كانت كفيلة لك أن تشتريها بإطمنان. انطلاقاً من هذه الفكرة، يرغب الكثير من جيل الشباب السوري، بالدراسة في ألمانيا حتى يكونوا قادرين على إنتاج مثل هذه الأشياء الجيدة. لكنّ منذ إقامتي هنا، لاحظت أن الكثيرين منكم لا يرغبون بالدراسة في ألمانيا. الكثير منكم يذهب إلى لندن أوالولايات المتحدة الأمريكية وما زلت لا أفهم السبب. لماذا تفضلون الدراسة في الخارج وليس في بلدكم؟ بلدكم آمن، هنا يمكنكم العيش من دون خوف. ولكن مع ذلك، لا يزال الكثيرون منكم يريد الابتعاد عنه. في نفس الوقت لديكم علاقة غريبة للغاية باللغة الإنجليزية. عندما لم أكن أجيد اللغة الألمانية، سألت كثيرًا من الناس، "هل تتحدث الإنجليزية؟”. كانوا يُجيبونني بنعم. ومع ذلك، عندما أطرح سؤالي، كانت الاجابة تأتيني باللغة الألمانية. ما زلت لا أعرف ما إذا كانت عنصرية أو صعوبة في التحدث بلغة أخرى؟ لحسن الحظ يمكنني الآن أن أسأل كل شيء باللغة الألمانية، وهذا يجعل الأمر أسهل. أنتم في ألمانيا تتقيدون بكل ما هو ضمن مجال وظيفتكم فقط، فأي شيء آخر يُعتبر بالنسبة لكم ليس من ضمن المسؤوليات. كم مرة سمعت جملة „آسف، هذا ليس من ضمن مجالي" عندما كنت بحاجة إلى مساعدة؟ على سبيل المثال: عملتُ في متجر للأزياء لفترة من الوقت. فكّرتُ في اليوم الأول أنه سيتم بالتأكيد شرح ما يجب عليّ القيام به. ولكن تفاجأت حين جاء المسؤول، وقال لي بعجالة بضعة عبارات لم أستطع آنذاك فهمها وذهب بعدها. عندما سألت الزملاء عن ذلك، قالوا لي: ”آسف، هذه ليست وظيفتي”. حتّى أدركت مع مرور الوقت بنفسي آلية عمل كل شيء هناك. ولكن ألّا يكلّف أحدهم بعضاً من وقته كي يشرح لي طبيعة العمل بإعتباري كنت جديدة، هو أمرٌ لا زلت أجده غريبًا حتّى الآن.

كل شيء قائم على النهج العمليّ

علاقاتكم بعائلاتكم وأصدقائكم هي أيضاً مختلفة كلياً عما هي عليه في سوريا، فمثلاً عندما تَدعون بعضكم لأعياد الميلاد تكتبون على البطاقات ما الذي على الضيوف إحضاره معهم! في البداية كنت أرى هذا غير مناسب، لأنهم ضيوف! فيما بعد تعلمت أيضاً أنكم تطلبون منهم جلب هدايا محددة. في مدينتي حلب، سوف يبدو هذا الأمر مخجلاً للغاية إن قمت بفعله، فهناك لا نسأل الطفل بماذا يرغب أن نقدم له كهديّة، فنحن من نفكر بأنفسنا فيما سنهديه. بشكل عام، أنتم تتحدثون بالكثير من الأشياء التي عادة لا نتحدّث بها نحن علناً في سوريا. عندما تصبحون في الثامنة عشر من عمركم ومازلتم في المنزل- هكذا فهمت من بعض الأمثلة التي رأيتها- فإنكم تتكلمون عن الأمور الماديّة بشكل مبالغ فيه. تتقاسمون مثلاً: الإيجار أو أشياء التسوق. في سوريا يُعتبر هذا الأمر غير وارد على الإطلاق. بكل بساطة نتشارك كل شيء سوياً. لذلك أخذتُ إنطباعاً عن بعض العائلات هنا، أن علاقة العائلة بالنسبة لهم أقرب ما تكون إلى المعارف منه الى العائلة بمفهومه المعروف. أغلب كبار السن يعيشون في دور العجزة. لذلك يوجد الكثير من دور العجزة هنا في ألمانيا. في مدينة حلب على سبيل المثال: هناك ٣ دور عجزة فقط، لا أكثر. في ألمانيا إذا توفي شخص، فيتوجّب حينها دفع أيجار للمقبرة. حتّى لو كنت أشعر بالفعل ببعض الودّ فيما بينكم، إلّا أنّي أشعر أحياناً بأنّ العلاقة بينكم عمليّة أكثر منها وديّة. لقد اعتدتُ في الوقت الحالي على كثيرٍ من صفاتكم و عاداتكم، أصبحتُ أحبّ الكثير منها، والبعض الآخر منها لا زال يُغضبني لأني لم استطع فهمه تماماً. لكن هذا بالضبط ما يجعل من الحياة في مدينة ميونخ، مدينتي الثانية بعد حلب، حياة ممتعة وشيّقة بشكل جنوني. فكل يوم أتعايش مع أشياء جديدة وغريبة. لكن لا تقلقوا، فأنا متأكدة أنكم تعيشون ذات الشيء معي، لأنني في بعض الأحيان أجد نفسي غريبة التصرفات.